الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
28
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وتذكر الآية الأخيرة - من هذه الآيات - هذا المطلب بصراحة أكثر ، فتقول : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا . أجل . . إنهم عباد الله ، مطيعون لأمره ، ومسلمون لإرادته ، كما ورد ذلك في الآيتين ( 26 ) ، ( 27 ) من سورة الأنبياء : بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون . إن التعبير بكلمة ( عباد ) في الواقع رد على ظن هؤلاء ، لأن الملائكة لو كانت مؤنثا لوجب أن يقول : ( عبدات ) ، لكن ينبغي الانتباه إلى أن العباد تطلق على جمع المذكر وعلى الموجودات التي تخرج عن إطار المذكر والمؤنث كالملائكة ، ويشبه ذلك استعمال ضمائر المفرد المذكر في حق الله سبحانه ، في حين أنه تعالى فوق كل هذه التقسيمات . وجدير بالذكر أن كلمة ( عباد ) قد أضيفت إلى ( الرحمن ) في هذه الجملة ، ويمكن أن يكون هذا التعبير إشارة إلى أن أغلب الملائكة منفذون لرحمة الله ، ومدبرون لقوانين عالم الوجود وأنظمته ، وكل ذلك رحمة . لكن لماذا وجدت هذه الخرافة بين عرب الجاهلية ؟ ولماذا بقيت ترسباتها إلى الآن في أذهان جماعة من الناس ؟ حتى أنهم يرسمون الملائكة ويصورونها على هيئة المرأة والبنت ، بل حتى إذا أرادوا أن يرسموا ما يسمى بملك الحرية فإنهم يرسمونه على هيئة امرأة جميلة طويلة الشعر ! يمكن أن يكون هذا الوهم نابعا من أن الملائكة مستورون عن الأنظار ، والنساء مستورات كذلك ، ويلاحظ هذا المعنى في بعض موارد المؤنث المجازي في لغة العرب ، حيث يعتبرون الشمس مؤنثا مجازيا والقمر مذكرا ، لأن قرص الشمس مغطى عادة بأمواج نورها فلا سبيل للنظر إليه ، بخلاف قرص القمر . أو أن لطافة الملائكة ورقتها قد سببت أن يعتبروها كالنساء ، حيث أن النساء أكثر رقة ولطافة إذا قيست بالرجال .